القرآن والأمراض النفسية
الدكتور كمال المويل
** القرآن والعلاج النفسي:
قال الله تعالى: )وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً( (الإسراء:82).
ذكر أحد الأطباء المصابين بالربو أنه ذهب مرة لأحد الفنادق النائية في الريف لقضاء عطلة الأسبوع هناك، واستيقظ في منتصف الليل على إثر هجمة ربو حادّة لديه، فأخذ يتلمّس طريقه في الظلام بحثاً عن مفتاح الإضاءة دون أن يجده، فأمسك حذاءه وقد تملكه اليأس وتلمّس النافذة وحطّم زجاجها ثمّ بدأ يتنفّس بعمق حتى انتهت النوبة، ثمّ أمضى بقية الليل بسلام ، ولكن عندما استيقظ في الصباح أصيب بالدهشة حينما وجد أنه حطّم زجاج المرآة عوضا عن تحطيم زجاج النافذة.
إنّ هذه القصة ومثلها كثير تشير إلى دور العامل النفسي في الشفاء من الأمراض أي: إنّ الاعتقاد بأنّ عمل ما يؤدّي للشفاء قد يحصل الشفاء فعلا بهذا الاعتقاد حتى لو لم يكن للعمل أي دور مقنع أو علمي في الشفاء.
كما دلت الإحصاءات على مئة مريض بعد إعطائهم دواءً غفلاً ( أي: دواء وهمي ) أن 20% منهم قد شُفي من مرضه.
إنّ العلاج الحقيقي لا بدّ أن يشمل الروح والجسد جنباً إلى جنب وهذا ما يتفق مع النظريات العلمية الحديثة عن أهمية العامل النفسي في العلاج الحديث، فقد دلّت الإحصاءات على أنّ أغلبية المرضى بشتى أنواع الأمراض ترجع أمراضهم إلى أسباب نفسية، وأنّ قسماً كبيراً من المرضى ليس لديهم أي مرض عضوي، وليس معنى ذلك أنّ هذه الأمراض مجرد أوهام خيالية فهي أمراض حقيقية ولكن مسبباتها نفسية.
إن الأسباب الرئيسية للأمراض العقلية والنفسية هي الشعور بالخوف أو الإثم أو الخطيئة أو الحقد أو الكبت أو الشك أو الغيرة أو الأنانية أو الملل والسأم و الضجر .
ومن المعروف أن الخوف بشكليه المباشر وغير المباشر أو الخوف من معلوم والخوف من مجهول هو جوهر ما يسمّى بالعصابات في الطب النفسي كعصاب القلق وعصاب الاكتئاب وعصاب الرهاب وعصاب الهستريا وعصاب الوسواس القهري وعصاب وسواس المرض ، إنّ هذه المجموعة من الأمراض يقف خلفها الخوف كعامل مسبب ، كما إن أمراضا كثيرة قد تنجم عن المشاعر المرضية التي ذكرناها سابقاً .
و إنّ كثيرا ممن يشتغلون في العلاج النفسي ينجحون في تقصّي أسباب الأمراض ولكنهم يفشلون في العلاج لأنهم لا يلجؤون إلى بثِّ الإيمان بالله في نفوس المرضى. إنّ هذه الأمراض الانفعالية وغيرها من الأمراض قد جاءت الأديان لعلاجها ولكي تحرّر الإنسان منها.
وهذا ما وصف الله تعالى به كتابه القرآن بأنه شفاء للمؤمنين ، وجوهر الشفاء فيه هو الإيمان الذي يؤدّي إلى الاطمئنان ﴿ألا يذكر اللهِ تطمئنّ القلوب﴾ (الرعد:28) أي: النفوس.
فمتى اطمأنّت النفوس وهدأت لم يبق للمشاعر المرضية من خوف وحقد وغيرة وكبت مكان في هذه النفوس ، فالإيمان بالله وذكر الله وقراءة القرآن والعمل بما جاء به يشكل عاملاً أساسيا في علاج الكثير من الأمراض وخاصّة النفسية ، كما إنه يشكل عاملاً وقائيا من هذه الأمراض.
فالمؤمن الحقيقي يقف إيمانه وعقيدته حائلاً دون إصابته بأي مرض نفسي ، ولا يُصيب المرض النفسي المؤمن إلا إذا كان إيمانه غير صحيحٍ أو غير كامل ٍ أو كان في غفلة وجهلٍ عن الإيمان، ومن هنا قال الرسول الكريم r: ((عليكم بالشفائـين: العسل والــقرآن)) (أخرجه ابن ماجة).
** العمى النفسي:
قال الله تعالى في سورة يوسف واصفا يعقوب عليه السلام: )وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ( (يوسف: 84)، كما قال واصفاً إياه بعد ذلك: )فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً( (يوسف: 96). ألقاه: أي ألقى القميص.
إنّ الآية الأولى تشير إلى دور العامل النفسي في إحداث بعض الأمراض ، فهناك بعض الأمراض والتي تسمّى النفسية الجسمية يُعتبر العامل النفسي من أهم الأسباب في إحداثها ، وقد يكون السبب الوحيد في ذلك . والآية الثانية تشير إلى دور العامل النفسي في شفاء هذه الأمراض المسماة النفسية الجسمية.
إنّ الانفعالات النفسية قد تُحدث هذه الأمراض أو تظهرها إلى الوجود بعد أن كانت في حالة الكمون أي كانت كامنة ولم تكن مرضية ، أو تزيد في شدتها ، أو تؤدّي لحدوث نوب شديدة منها ، أو تطيل من فترة بقائها .
ولقد كان بافلوف أول من تكلم عن علاقة الأمراض العضوية بالاضطرابات النفسية ، وكان فرويد ومدرسته أول من استعمل مصطلح الأمراض النفسية الجسمية أي الاضطرابات النفسية التي تسبب أمراضا جسمية .
ومع ذلك نجد أن القرآن قد أشار إلى هذا الموضوع في قصة يوسف u عندما فقده والده يعقوب u .
فالحزن الشديد الذي أصاب يعقوب وكظمه واحتباسه لهذا الحزن قد أدّى إلى إصابته بالعمى وعدم الرؤية وهذا ما أسماه القرآن ﴿وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم)، فهو لم يعد يرى بعينيه مع أن عينيه سليمتان من الناحية العضوية ، ودليل ذلك أنهم لما ألقوا على وجهه قميص يوسف ارتدّ بصيرا ، فليس هناك آفة عضوية ولو كان هناك آفة عضوية لما عاد إليه بصره بسبب نفسي ، فذهاب البصر كان نفسي وهو شدّة الحزن على فقدان يوسف ، وعودة البصر كان بسبب نفسي وهو شدة الفرح لعلمه بأنّ يوسف لا زال حيا و أنّ الذئب لم يأكله كما قال إخوته . أما لماذا أصاب الاضطراب هذا العضو بالذات ؟ فذلك لسببين:
①إما لوجود خلل في هذا العضو ، أي مرض مثل ضعف في الرؤية وهذا ما يجعله حلقة ضعف في سلسلة الأعضاء الجسمية ، وبالتالي يكون احتماله أقل من بقية الأعضاء.
②أو لعلاقة هذا العضو بالحدث الذي حصل وهو الحزن الشديد ، فكأنّ عيني يعقوب التي لم تعد ترى يوسف لا تريد أن ترى غيره و من هنا إصابة العينين بالذات.
والعمى الذي كان سببه نفسياً يكون علاجه نفسياً ولكن بعكس العامل المسبب ، فغياب يوسف هو العامل المسبب للعمى ، وعودة يوسف أو ما يدلّ على عودته هو عكس العامل المسبب ، وهذا ما حصل عندما أرسل يوسف قميصه إلى أبيه كدلالة على وجوده وعودته.
** عصاب الوسواس:
قال الله تعالى: )قـل أعوذ بربّ الناس * ملك الناس * إله الناس * من شرِّ الوسواس الخنـّاس * الذي يوسوس في صُدورِ الناس * من الجنة والنّاس( (الناس:1ــ 5).
الوسواس مرض معروف منذ القديم، وقد جاء ذكره في القرآن الكريم في سورة الناس، حيث نجد في هذه السورة تعريفا لهذا المرض و علاجا لهذا المرض.
فما هو الوسواس؟
ولماذا سمّي بالخناس؟
وما هو علاجه؟
الوسواس هو محتوى ذهني ثابت يفرض وجوده على المريض بشكل قهري أي: إجباري، ويحاول المريض أن يتخلص منه ويصرح بعدم معقوليته ولكنه لا يستطيع مقاومته فهو لا يخضع لإرادة المريض.
يظهر الوسواس كفكرة أو صورة ذهنية أو دافع داخلي أو حركة سلوكية تفرض نفسها على المريض، وهو يعرف أنها ليست عقلانية وغير منطقية و يحاول إزاحتها من وعيه وشعوره لكنها تعاوده وتفرض نفسها عليه، وهذا الصراع يتكرر مراراً حتى يؤدّي إلى:
① حالة من التوتر والقلق عن المريض.
② حالة من الحزن والأسى والاكتئاب عند المريض كذلك.
تبدأ الأعراض لدى معظم المرضى في سن قبل الخامسة والعشرين وغالباً في سن المراهقة أو بعدها بقليل، وفي 50% من الحالات تظهر ما بين (16 – 20) سنة، و يأتي المرض إما على شكل هجمات شديدة مع فترات من الشفاء العفوي أو بصورة متتابعة.
وعصاب الوسواس هو اضطراب نفسي ولذلك سُمّي عُصابا، حيث لا يوجد في الأعراض أو الشكوى ما يدلّ على اضطراب في المحاكمة العقلية أو ما يدلّ على أهلاس ولا أوهام.
الأفكار الوسواسية نوعان: نوع لا يترتب عليه سلوك، ونوع يترتب عليه سلوك مادي، ومن هنا سُمّي النوع الثاني الأفعال الوسواسية و سُمّي النوع الأول الأفكار الوسواسية.
1 - الأفكار الوسواسية:
تكون هذه الأفكار عادة غير سارة وتثير الاضطراب والتشكك في ذهن المريض ، وتدور هذه الأفكار حول طبيعة الكون ونشأة الحياة و عما هو خطأ أو صواب أو حلال أو حرام، وطبيعة التساؤلات هنا أن الأسئلة التي تُـلحّ على فكر المريض ليس من وراءها جدوى وليس لها إجابات شافية، مثلا: ما هو سبب زرقة السماء؟ أو لماذا خلقت السماء؟ هل أنا موجود أم لا؟ لماذا نحن نعيش؟ هل الإله موجود؟ تساؤلات لا نهاية لها عن الجنس والأعضاء التناسلية وعن طبيعة الأشياء أو الهدف من وراء أعمال معينة. هذه الأفكار يعي المريض عدم معقوليتها ويحاول طردها من ذهنه، ولكنها سرعان ما تعود إليه مما يجعله يعيش حالة صراع مع هذه الأفكار.
وهناك نوع من الأفكار يأتي بشكل دوافع وتكون ذات طبيعة عدوانية على المريض نفسه أو على الآخرين من حوله، مثال: أحد المرضى عندما يرى عربة مقبلة يشعر برغبة في إلقاء نفسه أمامها، وآخر عندما يكون في مكان مرتفع يشعر برغبة ملحة في إلقاء نفسه إلى الأسفل، وآخر عندما يوجد في أماكن عامة كالمعابد وقاعات المحاضرات يشعر برغبة في الصياح والتكلم بألفاظ بذيئة، وآخر يشعر برغبة في إيذاء الآخرين كالأطفال ممن لا حول لهم ولا قوة، هذه الدوافع والرغبات الوسواسية تلح على المريض ويعيش في صراع معها فلا هو يفعلها ولا هو يستطيع إبعادها عن ذهنه.
2 – الأفعال الوسواسية:
وهي تعبير حركي عن نوع من المخاوف الوسواسية.
ـــ فبعض المرضى يُصابون بوسواس النظافة، فالخوف من التلوث بالقاذورات والجراثيم يعبر عن نفسه عند المريض بالاغتسال المتكرر حتى يصل إلى مرحلة تقرح اليدين وهذا النوع يصيب النساء أكثر من الرجال.
ـــ وبعض المرضى يُصابون بوسواس التأكّد، فهم بعد إغلاق منازلهم ونوافذهم وصنابير المياه يقومون مرات للتأكّد من إحكام إغلاقها.
ــ وبعض المرضى يُصابون بوسواس الدقة، حيث يعدون أوراقهم النقدية مرات ومرات، ومن الأمثلة على وسواس الدقة: أحد المرضى يحاول فرق شعره نصفين، وكلما فرق شعره يشعر بأنّ أحد القسمين أكبر من الآخر، ولذلك يُعيد فرق الشعر ويبقى على هذه الحالة عدة ساعات، ومع ذلك فهو لا يرتاح بعد أن يفرغ من فرق شعره.
ـــ وبعض المرضى يُصابون بوسواس العدد، أي عدد محدد مثل الرقم: (4) فالمريض هنا يكرر كل فعل يفعله أربع مرات حتى يرتاح.
إنّ أسباب الوسواس القهري غير معروفة بدقة فهناك عدة نظريات في تعليل هذا المرض:
① المدرسة الوراثية: تفسّر حدوث المرض بأنه ينتقل بالوراثة.
② المدرسة العضوية: تعتبر أن المرض ثانوي لأمراض عضوية تصيب الجسم مثل التهاب الدماغ الوسني والتسممات العضوية، مثال التسمم بالمنغنيز.
③ المدرسة السلوكية: وتفسّر حدوث المرض بالتعلّم الخاطئ من البيئة المحيطة بالمريض كالتربية القاسية من جانب أحد الوالدين وهو الأب عادة، والتي تتسم بالتزمّت والجمود والقهر والكبح والقمع والتقريع و إلزام الطفل بمعايير صارمة في السلوك والأخلاق، هذه الأساليب التربوية قد تلعب دوراً كبيراً في ظهور الأعراض الوسواسية عندما يصل الطفل إلى مرحلة المراهقة أو بعدها بقليل.
④ المدرسة التحليلية تفسّر الوساوس الجنسية بالكبت، والوساوس النظافية بتوقف المريض في مرحلة من مراحل الطفولة، وهي مرحلة ضبط المصرة الشرجية والمصرة البولية (مرحلة ضبط المصرات).
إن معالجة عصاب الوسواس متنوعة وتتراوح بين العلاج الطبي والعلاج السلوكي والعلاج الجراحي:
1. المعالجة الطبية: وتقوم على إعطاء مضادات القلق، لأن المرض يترافق بحالة من التوتر وعدم الاستقرار، إضافةً إلى إعطاء مضادات الاكتئاب لأن المرض يترافق أيضا بحالة من الحزن والأسى والهمود نتيجة الصراع مع الوسواس.
2. المعالجة السلوكية: وهي علاج داعم يستعمل الأفعال الوسواسية فقط ولا يستعمل في الأفكار الوسواسية، والعلاج السلوكي يقوم على التعليم الصحيح إما بالتدريج وإما بالمفاجأة، فمثلا: في حال وسواس النظافة يمكن تعريض المريض لمصادر التلوّث المختلفة حتى يتأقلم معها ولا يعود يخافها، ويمكن أن يُعرِّض المريض لمصادر التلوّث فجأة فيدرك بنفسه عدم وجود مخاطر من التعرّض لمصادر التلوّث، وفي كلتا الحالتين نعالج الخوف من التلوّث.
3. العلاج الجراحي: وهو قطع الطريق الواصل بين المهاد والفص الجبهي في الدماغ، وذلك إذا كان الوسواس معطلاً أي: أدى إلى عجز المريض ودامت هذه الحالة لأكثر من ستة أشهر.
وأخيرا: لماذا سمّي الوسواس بالخنّـاس؟.
إنّ كلمة خنس لها معنيان:
① (خَـنَسَ) بمعنى غاب، ومنه )فلا أقسم بالخنّس( أي النجوم التي تظهر وتغيب، وهنا تصبح (الخناس) صفة الوسواس وهي أنه يأتي ويغيب، فالوساوس تصيب المريض فيطردها من ذهنه بالاستعاذة بالله ولكنها تعود.
② (خَنَسَ) بمعنى قبض، ومنه (خنس بإبهامه) أي قبضها، وسمّي كذلك لأنه يقبض المريض أي يجبره ويخضعه ومن هنا سمّي طبيّـا الوسواس القهري.
** علاج الغم بالغم:
قال الله تعالى: )إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً( (آل عمران:153ــ 154).
(تُصعدون) بضم التاء مشتقة من الإصعاد وهو السير في مستوٍ من الأرض وبطون الأودية والشعاب، وفي قراءة (تَصْعَدون) بفتح التاء وهي مشتقة من الصعود وهو الارتفاع على الجبال والسطوح والسلالم، فيحتمل أن يكون الصعود في الجبل بعد إصعادهم في الوادي وبذلك نجمع بين القراءتين، وفي كلتا الحالتين تعني الفرار الذي أصاب الصحابة في النصف الأول من معركة أحد.
(غمّاً بغمّ) الغم هو التغطية، وغممت الشيء أي: غطيته، ومعنى الغم هو الظلمة، وفي النص: حالة نفسية وألم نفسي من الحزن.
قال مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم: (الغم الأول القتل والجراح، والغم الثاني الإرجاف بقتل النبي r).
(لكيلا تحزنوا) أي الغم الثاني أزال الأول.
(على ما فاتكم) من الغنيمة.
(ولا ما أصابكم) من الهزيمة.
خلاصة القصة: إنّ المسلمين في بداية غزوة أحد هُزموا أمام المشركين واستحرَّ فيهم القتل حتى قُدِّر عدد الشهداء بسبعين مسلماً وهذا هو الغم الأول الوارد في النص، وفي أثناء هذه الهزيمة وأثناء هذا الفرار صاح منادٍ وشاع القول بين المسلمين الفارين بأنّ محمدا r قد قُـِتل فكان لهذا الخبر وقعه لدى المسلمين وهذا هو الغم الثاني، وهو أكبر من الأول ولذلك فكّر المسلمون أن لا حاجة لهم بالحياة بعد ممات رسول الله r ولذلك عادوا إلى القتال، والغم الثاني أزال من نفوس المسلمين الحزن بسبب الهزيمة وذهاب الغنيمة، أي أزال الغم الأول ثمّ إن الله تعالى أنزل النعاس على المسلمين و كان ذلك أمناً لهم فالنعاس في المعركة من الرحمن وهو أثبت للقلوب وأذهب للخوف منها وانتهت المعركة بهزيمة المشركين أمام المسلمين.
ولكن الظاهرة النفسية في هذا النص هي علاج الغم بالغم.
فهل يُعالج الغم بالغم؟.
يقول الله تعالى (فأثابكم غماً بغمًّ لكيلا تحزنوا).
إنّ علم النفس الحديث يثبت ما يلي: إذا أصيب الإنسان بفاجعة فاحتلت جوانب نفسه و ملكت عليه فؤاده، ثم إذا جاءته مصيبة أكبر منها طردتها وحلت محلها والمصيبة الكبيرة تُنسيه المصيبة الصغيرة.
وهذا هو الذي حدث في معركة أُحد، وهو أنّ الله أراد أن يشفيهم من الغم و يعالجهم من الألم النفسي فانتشر خبر بين المسلمين بوفاة رسول الله r الأمر الذي جعل الغم الثاني يُزيل الأول، ولكن الغم الثاني قد زال عندما علم المسلمون أنّ رسول الله r لا زال حيّا.
فالغم يُعالج بالغم، ولكن بشرط أن يكون الغم الثاني أكبر من الأول.
①هذا المبدأ نجد له شبيهاً في علاج الهمود وهو شكل شديد من الحزن المرضي بالصدمة الكهربائية، إذ إنّ الصدمة الكهربائية وسيلة فعالة وناجحة في معالجة حالات الهمود والاكتئاب الشديدين حتى إنّ نسبة الشفاء بها تعادل (99%) من الحالات، ولذلك يفضّل معظم الأطباء المختصين علاج هذه الحالات بالصدمة الكهربائية.
② كما يوجد حالة أخرى مشابهة وهي علاج الآلام النفسية المعندة بالكي حيث إنّ الكي يحدث تنبيهاً شديداً للجملة العصبية وبالتالي فإنّ الجملة العصبية تستجيب للتنبيه الأشد وتنسى التنبيه الأضعف أي تستجيب لتنبيه الكي وتنسى تنبيه الألم النفسي، وعندما يزول تنبيه الكي قد لا يعود تنبيه الألم النفسي لأن الجملة العصبية تكون قد نسيته.
** العِتـْهُ الشيخي (الخرف):
قال الله تعالى: )ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً( (الحج:5).
لعل من أبرز مظاهر الخرف الذي يُصاب به بعض المتقدّمين في السن هو فقد الذاكرة الذي سماه القرآن (لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً) ومع ذلك فهناك مظاهر أخرى تصيب هؤلاء المتقدمين في السن وتكون مرافقة لفقدان الذاكرة.
إنّ مرحلة الشيخوخة والخرف التي يسمّيها القرآن أرذل العمر مرحلة قد يمرّ بها أي إنسان، ولذلك سنتحدّث عنها بالتفصيل في هذا الفصل.
لقد تبيّن أن درجة من الانكماش في حجم الدماغ ووزنه أي (الضمور) حدثٌ لا يمكن تفاديه مع تقدم السن ، ويقدّر نقص الوزن في الدماغ بما يقارب (150) غ، و مع ذلك وفي كثير من الحالات قد لا يكون لهذا الضمور دلالة مرضية، فهناك الكثير من المتقدمين بالسن يبقون واعين ومدركين حتى نهاية أيامهم.
إلا أن الدرجات الشديدة من الضمور هي التي تترافق بأعراض العته الشيخي أو الخرف كما يسميه العامة، وبدء هذه الأعراض يختلف من شخص لآخر ومع ذلك فهناك حالات من العته شوهدت في سن أبكر ولذلك سميت العته ما قبل الشيخي.
يكون بدء العته الشيخي خَلسياً وخفيفاً بتغيرات أكثر ما تلاحظ في الذاكرة القريبة وفي عدد من الفعاليات العقلية، كما إنّ الاضطرابات الانفعالية كالهمود والقلق تكون بارزة في الأدوار الباكرة من المرض، ويكون تقدم المرض بطيئاً جداً وتدريجياً وقد يستغرق (10 – 15) سنة وقد يستغرق مدة أقل من ذلك.
إنّ تعبير الشيخوخة يُستعمل في الحالة الطبيعية للتعبير عن تقدّم السن ويتصف بالهبوط التدريجي للملكات العقلية والجسدية، مع هبوط في القدرة على مواجهة الظروف المستجدّة، وميل إلى الظهور بمظهر الجمود والتصلب.
وفي العته الشيخي تتطور التبدلات الناجمة عن الشيخوخة إلى درجة تؤثر على مصلحة الشخص وتكيفه، ويتميز العته الشيخي بقصور متزايدة في الذاكرة والتفكير والتوازن كما يتميّز بالتبلد وانعدام التجاوب مع ردود الفعل العاطفية ونقصان الاهتمام ونقصان أخذ زمام المبادرة.
يمكن تلخيص المظاهر الأساسية للعته الشيخي بما يلي:
1– الذاكرة :
يحدث ضعف في الذاكرة وأول ما يُصاب هو تذكر الأحداث القريبة، وعادة تتزايد الحالة نحو الأسوأ حيث تتأثر الذاكرة البعيدة، وضعف الذاكرة البعيدة هو من الأمور المميزة للعته الشيخي مقارنة مع الأمراض النفسية التي تُصاب فيها الذاكرة، وسقوط الذاكرة ناجم عن صعوبة الإمساك بها.
2- المحاكمة العقلية:
من الظواهر الباكرة في العته الشيخي ضعف المحاكمة والصعوبة في الاستيعاب والفشل في إعطاء رد الفعل المناسب.
3- ردود الفعل العاطفية:
يُصاب المريض بعدم استقرار عاطفي يتجلى بسرعة التهيّج والتصرفات المتهورة والتصرفات العنيفة أحياناً والإفراط في الشراب أحياناً أخرى.
4- عدم التكيّف:
وعدم التكيف مع الظروف يعتمد على الظروف، وهو في الليل أسوأ من النهار، ويمكن رد عدم التكيف مع الظروف لنقص التروية الدماغية.
5- الاهتمام بالذات:
يُلاحظ عدم اهتمام بالملبس والنظافة، يتطور إلى إهمال اهتمام تام للنظافة مع حصول سلس البول والغائط.
6- الحالة الفيزيائية:
يوجد عادة تدهور جسدي عام مع نقص وزن وهبوط في وظائف الإفرازات الداخلية.
7ــ الأوهام والتخيلات:
شائعة لدى المرضى، وهي نتاج ضعف المحاكمة وضعف الاستيعاب والحالة العاطفية للمريض، والأوهام غالباً من النوع الاضطهادي أي شعور المريض بأنه مضطهد ممن حوله.
العته الشيخي كمرض ليس له علاج إلا الاهتمام والرعاية والعناية من أقرباء المصاب والمحيطين به، وحين يتمّ تشخيص المرض فإن احتمال الوفاة يكون خلال سنوات من بدء الحالة السريرية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.